الجاحظ

40

البخلاء

ستجده مباركا . إنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا ، لا أنت . وقال خاقان بن صبيح « 1 » : « دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا ، وإذا هو قد أتانا بمسرجة « 2 » ، فيها فتيلة في غاية الدقّة ، وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح « 3 » ، وقد علَّق على عمود المنارة عودا بخيط ، وقد حزّ فيه حتى صار فيه مكان للرّباط . فكان المصباح ، إذا كاد ينطفئ أشخص « 4 » رأس الفتيلة بذلك » . قال : « فقلت له : ما بال العود مربوطا » ؟ قال : « هذا عود قد تشرّب الدهن ، فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان ، فإذا كان هذا دأبنا « 5 » ودأبه ، ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة » . قال : « فبينا أنا أتعجبّ في نفسي ، وأسأل اللَّه جلّ وذكره العافية والستر ، إذ دخل شيخ من أهل مرو ، فنظر إلى العود فقال : « يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شيء . أما تعلم أن الريح والشمس تأخذوان من سائر الأشياء ؟ أوليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى « 6 » ، وهو عند إسراجك الليلة أعطش « 7 » ؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك حتى وفّقني اللَّه إلى ما هو أرشد ! اربط ، عافاك اللَّه ، بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة . وعلى أن العود والخلال « 8 » والقصبة ربما تعلَّقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سوّيناها بها فيشخص لها . وربما كان ذلك سببا لا نطفاء السراج . والحديد أملس ، وهو مع ذلك غير نشاف » . قال خاقان : « ففي تلك الليلة عرفت فضل أهل خراسان

--> « 1 » خاقان بن صبيح : من جلساء الجاحظ ومحدثيه . « 2 » مسرجة : إناء فيه زيت وفتيل يستعمل للإنارة . « 3 » ملح : وضع في الدهن ملحا ليخفف مصروف الزيت . « 4 » أشخص : رفع . « 5 » دأبنا : عادتنا وشأننا . « 6 » أروى : أكثر ارتواء . « 7 » يستدل على أن العقل والارشاد في مفهومهم ، هو التفنن في دروب التوفير . « 8 » الخلال : عود دقيق تخلل به الأسنان .